الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

183

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العدوّ الكاشح ، ومن العدوّ الكائد ، ولعلّها إعداد لغزوة الفتح ، فإنّ هذه السورة نزلت في سنة ستّ ، وكان فتح مكة في سنة ثمان ، ولا شكّ أنّ تلك المدّة كانت مدّة اشتداد التألّب من العرب كلّهم لنصرة مشركي قريش والذبّ عن آلهتهم ، ويدلّ لذلك قوله بعد وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ [ النساء : 75 ] إلخ ، وقوله : فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ [ النساء : 141 ] فإنّ اسم الفتح أريد به فتح مكة في مواضع كثيرة كقوله : فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [ الفتح : 27 ] . وابتدأ بالأمر بأخذ الحذر . وهي أكبر قواعد القتال لاتّقاء خدع الأعداء . والحذر : هو توقّي المكروه . ومعنى ذلك أن لا يغترّوا بما بيّنهم وبين العدوّ من هدنة صلح الحديبية ، فإنّ العدوّ وأنصاره يتربّصون بهم الدوائر ، ومن بينهم منافقون هم أعداء في صورة أولياء ، وهم الذين عنوا بقوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ - إلى - فَوْزاً عَظِيماً . ولفظ خُذُوا استعارة لمعنى شدّة الحذر وملازمته ، لأنّ حقيقة الأخذ تناول الشيء الذي كان بعيدا عنك . ولما كان النسيان والغفلة يشبهان البعد والإلقاء كان التذكّر والتيقّظ يشبهان أخذ الشيء بعد إلقائه ، كقوله : خُذِ الْعَفْوَ [ الأعراف : 199 ] ، وقولهم : أخذ عليه عهدا وميثاقا . وليس الحذر مجازا في السلاح كما توهمه كثير ، فإنّ اللّه تعالى قال في الآية الأخرى وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [ النساء : 102 ] . فعطف السلاح عليه . وقوله : فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً تفريع عن أخذ الحذر لأنّهم إذا أخذوا حذرهم تخيّروا أساليب القتال بحسب حال العدوّ . و انْفِرُوا بمعنى أخرجوا للحرب ، ومصدره النّفر ، بخلاف نفر ينفر - بضمّ العين - في المضارع فمصدره النفور . و ( ثبات ) بضمّ الثاء جمع ثبة - بضمّ الثاء أيضا - وهي الجماعة ، وأصلها ثبية أو ثبوة بالياء أو بالواو ، والأظهر أنّها بالواو ، لأنّ الكلمات التي بقي من أصولها حرفان وفي آخرها هاء للتأنيث أصلها الواو نحو عزة وعضة فوزنها فعة ، وأمّا ثبة الحوض ، وهي وسطه الذي يجتمع فيه الماء فهي من ثاب يثوب إذا رجع ، وأصلها ثوبة فخفّفت فصارت بوزن فلة ، واستدلّوا على ذلك بأنّها تصغّر على ثويبة ، وأنّ الثبة بمعنى الجماعة تصغّر على ثبيّة . قال النحّاس : « ربّما توهّم الضعيف في اللغة أنّهما واحد مع أنّ بينهما فرقا » ومع هذا فقد جعلهما صاحب « القاموس » من واد واحد وهو حسن ، إذ قد تكون ثبة الحوض مأخوذة من الاجتماع إلّا إذا ثبت اختلاف التصغير بسماع صحيح .